ابن أبي أصيبعة
211
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
مضى عليها أربعون يوما حتى برئت وصلح جسمها وفرح الرسول بذلك فرحا عظيما فلما كان بعد مدة استدعاه وأعطاه ألف درهم ودراعة سقلاطون وثوبا توثيا وعمامة قصب وقال له طالبهم بحقك فأعطته الجارية ألف درهم وقطعتين من كل نوع من الثياب وحمل على بغله بمركب واتبع ذلك بمملوك زنجي فخرج وهو أحسن حالا من أحد أخواله فلما رأوه وثبوا له وتلقوه لقيا جميلا فقال لهم للثياب تكرمون لا لي فلما مضى الرسول انتشر ذكره بفارس وبكرمان بما عمل وكان ذلك سبب خروجه من شيراز فلما دخل رفع خبره إلى عضد الدولة وكان أول تبوئه ولايته شيراز واستدعى به فحضر واحضر معه رسالة في عصب العين تكلم فيها بكلام حسن فحسن موقعه عنده وقرر له جار وجراية كالباقين ثم أنه عرض لكوكين زوج خالة عضد الدولة وهو والي كورة جورقب مرض واستدعى طبيبا فأنفذه عضد الدولة فلما وصل أكرم موضعه وأجله إجلالا عظيما وكان به وجع المفاصل والنقرس وضعف الأحشاء فركب له جوارشن تفاحي وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة للهجرة فانتفع به منفعة بينة عظيمة فأجزل له عطاءه وأكرمه ورده إلى شيراز مكرما ثم أن عضد الدولة دخل إلى بغداد وهو معه من خاصته وجدد البيمارستان وصار يأخذ رزقين وهما برسم خاص ثلاثمائة درهم شجاعية وبرسم البيمارستان ثلاثمائة درهم شجاعية سوى الجراية وكانت نوبته في الأسبوع يومين وليلتين واتفق أن الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى عرض له مرض صعب في معدته فكاتب عضد الدولة يلتمس طبيا وكان عمله وفعله وفضله مشهورا فأمر عضد الدولة بجمع الأطباء البغداديين وغيرهم وشاورهم فيمن يصلح أن ينفذ إليه فلما جمعهم واستشارهم فأشار جميع الأطباء على سبيل الأبعاد له من بينهم وحسدا على تقدمه ما يصلح أن يلقى مثل هذا الرجل إلا أبو عيسى جبرائيل لأنه متكلم جيد الحجة عالم باللغة الفارسية فوقع ذلك بوفاق عضد الدولة فأطلق له مالا يصلح به أمره وحمل إليه مركوب جميل وبغال للحمل وسيره فلما وصل الري تلقاه الصاحب لقاء جميلا وأنزله في دار مزاحة العلل بفراش وطباخ وخازن ووكيل وبواب وغيره ولما أقام عنده أسبوعا استدعاه يوما وقد أعد عنده أهل العلم من أصناف العلوم ورتب لمناظرته إنسانا من أهل الري وقد قرأ طرفا من الطب فسأله عن أشياء من أمر النبض فعلم هو ما الغرض في ذلك فبدأ وشرح أكثر مما تحتمله المسألة وعلل تعليلات لم يكن في الجماعة من سمع بها وأورد شكوكا ملاحا